محمد حسين علي الصغير

96

مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية

قوة ، وذي الحول بمن لا حول له ، وكإحاطة ذي الشأن بمن لا يدانيه سيطرة وإعدادا ، إذ لا يمكن أن تفسر هذه الإحاطة بالمكان ، وإن استوعبت حدود كل مكان ، لأن اللّه تعالى فوق حدود المكان ، وإذا كان الأمر كذلك ، ويبدو أنه كذلك ، فلا بد من رصد هذه الظاهرة بهذا المدرك الاتساعي في التجوز باللفظ ذاته ، وحمله على المعنى الذي أشار إليه الزمخشري ( ت : 538 ه ) في قوله : « والمعنى أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به حقيقة » « 1 » . إن الذائقة الفنية في مثل هذه الظواهر تمثل لنا عمق الخصائص الأسلوبية في مجاز القرآن ، إذ تجدد القدرة الخارقة في كل نموذج آنف على استيحاء التلازم الذهني بين الأصل الحقيقي والفرع الاستعمالي لمناسبة ما في تنقله من معنى أولي إلى معنى ثانوي ، وهو يهز المشاعر حينا ، ويصون التراث حينا آخر ، ويحدث ذلك عادة في وقت واحد وبتفكير جملي متحد . وهذا من خصائص الأسلوب المجازي في القرآن . 3 - الخصائص النفسية في مجاز القرآن ليس أمرا سهلا ، أن يساير النص الأدبي النفس الإنسانية ، وليس هينا أن تتطلب النفس أيضا نصا أدبيا ، فالنفس جموح لا تهدأ ، وغروف لا تكبح ، وشرود لا يسيطر عليها نص اعتيادي ، أو فن قولي ، دون أن تتمثل به أرقى مميزات الانجذاب التلقائي ، والبعد النفساني المتوازن ، فتقبل عليه النفس اشتياقا أو إيناسا ، وتعزب عن سواه نفورا أو إيحاشا . النص وجودته وحدهما يهيئان المناخ المناسب في النفس الإنسانية إقبالا على النّص أو عزوفا عنه . ومن ثم فالمجاز القرآني وهو ينقل اللفظ من صورة إلى صورة أخرى على النحو الذي يريده المصور ، فإن أراد صورة متداعية في القبح ساق اللفظ إلى ما يمثل تلك الصورة بما هو أردأ منها في صيغتها الحقيقية . فأنت تستطيع في المجاز تكييف النص الأدبي نحو المعنى المراد ، دون توقف لغوي أو معارضة من دلالة اللفظ

--> ( 1 ) الزمخشري ، الكشاف 1 : 85 .